Delair Shaker solo exhibition "Intertwined” @OrientGallery, Amman from Oct. 20th To Nov 12
المعرض الشخصي للفنان دلير شاكر على قاعة المشرق في عمان -الاردن اعتبارا من 20 تشرين الاول ولغاية 12 تشرين الثاني
English

An artwork by Iraqi artist Delair Shaker, from his solo exhibition “Intertwined”, that opened yesterday at Orient Gallery. Intertwined reflects the artist’s inner passion to create change to his beloved city Baghdad. Through his pieces he intends to present the chaos he’s seen with his own eyes, in a colorful bright way.

فاجأنا دلير (1971) بوحدة جمالية محلية بامتياز لتكون في تقاطعاتها حينًا أو في تشابكاتها حينًا آخر وسيلة استدلال لحواسنا عما تخفيه هذه التشابكات وما تعنيه من استدلالات. ولكي نتبين مفهوم هذه الوحدة الاستعارية وما تستبطنها من تضاد مثير للإيقاع البصري الغني بتنوعاته، وما تخفيه هذه الوحدة الجمالية من محاولة لإلغاء الانتباه للمكان الذي جاءت منه، علينا أن نتابع تنوعها وتبدلاتها كموضوع ومدى قدرتها حتى ولو كان ذلك وقتيًّا على إلغاء مصدر التقاطها وعلى فعل التعتيم على الحنين له.
من خلال بضعة زيارات له لبغداد، تمكن دلير أن ينتبه لبعض من تفاصيل الخراب الشائع في المدينة التي غادرها منذ سنوات عديدة، وأن يجعل من تلك الزيارة بحثا استقصائياً وانغماساً في متابعة وتفكيك هذا الخراب ليحوله، عبر صياغات جمالية مثيرة ذات بعد معاصر، من حالة سلبية عيانية إلى زهد جمالي. يشكل اللون الأسود علامة امتداد لحياة بعيدة عن ذلك، وتكون أيضاً عبر ما تمثله ستة أعمال تحت عنوان ( بيوت في المنفى) وتسميتها بأسماء قريبة منه، شهادة إدانة مبطنة لما حدث في بغدادِهِ. وما ضاعف من إبداعية هذه المجموعة هو كيف تنفخ الروح في عنصر بصري جامد لكي يتحول إلى وحدة جمالية تشد العين وتقلب الحواس، وكيف تكون تذكرة بالإصرار على الوجود عبر الأولاد والأحفاد. ثم يجعلنا دلير نرافقه لنشهد تأويلاته لعمل آخر - البذرة اليتيمة، وهو تكوين من الحديد الأسود فوق مساحة أرض طينية متشققة، كأننا أمام مشهد يستنجد بها حِداداً على عِراقِهِ التَّوّاق للحياة، هنا يستذكر الفرع أصوله فلا شكل جمالي بدون مرجعية ولا تأويل بدون عبور للحياة.
بهذا الموقف، دون أن يدري، يعاكس دلير وبذكاء مفهوم الهوية الذي تبناه جيل الرواد والذي اعتمد على الموروث الحضاري أو تفاصيل من الحياة اليومية، متبنيا الانتباه للمكان لا بوصفه وحدة مقدسة ترتبط بالتاريخ بل كمنجم للأفكار التي تتولد عبر صيرورة الحياة اليومية وما فيها من تقاطعات اجتماعية وبما يرتبط بها من أفعال تتبدل بفعل الحاجة.
ضياء العزاوي
تشرين الأول 2020
 
مي مظّفر
دلير يرسم حدائق للخراب
على الرغم من الظرف الصعب الذي تفرضه الجائحة وقيود التحرك، يقيم الفنان دلير شاكر معرضا لآخر تجاربه الفنية في قاعة المشرق بدءا من 20 تشرين الأول 2020.
ما أثار فضولي لمعرفة المزيد عن الأعمال، الصورة المرافقة لنص الدعوة. فقد لمست فيها ما يشي بنهج غير مسبوق في تجربة الفنان. وهذا ما بدا واضحا لدى مشاهدة مجموعة الأعمال معروضة بتنسيق مهني في محترفه الأنيق قبل نقلها إلى قاعة العرض. لعل من المفارق أن تكون هذه المشاهد الجميلة المتقشفة لونيا هي جانب من صور الخراب الذي آلت إليه بغداد كما شاهدها الفنان وصورها في رحلاته المتعددة. لقد عز عليه أن يرى ما حل من خراب بمدينته التي نشأ فيها وتعلم الفن في رحاب معهدها ووقف على عتبة بناء مستقبله طامحا أن يكون امتدادا لجهود أبيه الخّزاف البارع سعد شاكر ولتجربة جيل ما زال يتصدر المشهد التشكيلي العراقي، فآثر أن يصورها بعين العاشق المكلوم.
عرفت دلير منذ طفولته، ورأيته فتى يمضي وقته في مشغل والده ويتابع إبداعه الفني المنظم الدؤوب. وكان من الطبيعي أن يلتحق بمعهد الفنون الجميلة – المختبر الأهم لتأهيل المواهب الفتية آنذاك. لكن دلير من الجيل الذي عاصر الحروب والحصار، وكان عليه أن يغادر مثل غيره باحثا عن مستقبل أفضل. في عّمان، المحطة الأولى للانطلاق نحو عالم أوسع، تولى تدريس الفن وفي الوقت نفسه أقام مشغلا صغيرا ينتج فيه اعمالا خزفية تقليدية رائعة الجمال. بعدها التحق بمحترف الفنان حازم الزعبي الذي دَرس فن الخزف في بغداد على يدكل من فالنتينوسكارالمبوس وسعد شاكر.
من عمان كنت أتابع تجربة دلير وهو ينتقل من الخزف إلى الرسم وابتكار أشكال تجمع بين الخزف والنحت والرسم وامتلك محترفا واسعا لممارسة أعماله الفنية المتنوعة بمثابرة واجتهاد. واستطاع بشخصيته المهذبة الساحرة أن يكسب محبة أساتذته وزملائه وثقتهم على السواء بعد أن هيأ تجمعهم في عمان مناخا فنيا مليئا بالنشاط. كان من نتائج هذه الثقة أن شارك الفنان محمد مهر الدين في معرض أقيم لهما في قاعة الأورفلي عام 2004، كما شارك في المعرض التكريمي الذي نظّمه رافع الناصري بمناسبة رحيل الفنان شاكر حسن آل سعيد في العام نفسه. كان ذلك قبل أن يغادر إلى الولايات المتحدة في 2005 للاستقرار والعمل فيها من غير أن ينقطع تردده على عمان. وسرعان ما شق طريقه هناك وتمكن بعد سنوات قليلة أن يعرض في قاعات عرض ومتاحف مرموقة في ديلاوير 2007، كما شارك في معرض أقيم في جامعة كولومبيا عن الفن العراقي والحداثة 2009 ( نيويورك ) فضلا عن أمكنة أخرى. بل اختاره الفنان ضياء العزاوي ضمن نخبة من فنانين يمثلون جيلين مختلفين من الفنانين العراقيين للمشاركة في المعرض الذي نظمه مع غاليري ميم في كل من دبي وبيروت في 2011 تحت عنوان "الفن المعاصر في العراق اليوم" تكريما للأديب الراحل جبرا إبراهيم جبرا الذي وضع أسس تاريخ الحركة الفنية المعاصرة في العراق. أخيرا وليس آخرا مشاركته في معرض "حرب الحليج" الذي نظمه متحف الفن الحديث في نيويورك MoMA 2019. وفي قرار حاسم قرر دلير
الانتقال إلى عمان ثانية.
في جميع المراحل التي مر بها دلير كنت أتابع مدى تطور أدائه وتنوعه وحرفيته التي تنم عن مجهود كبير وإصرار على المثابرة، مؤكدا روح التجريب لديه والمغامرة الجريئة. لكنني طالما افتقدت شيئا جوهريا في هذه التجارب على الرغم مما تتمتع به من جاذبية: البصمة الخاصة التي ألمحها في عمله حينا وتغيب عني أحياناكثيرة. شيء جوهري لم يكن قد استقر لديه بعد، ثم وجدته يتجلى بقوة بمعرضه الحالي.
اختار دلير أن يسمي معرضه "تشابكات" لوصف أعمال مكونة من خطوط متداخلة معقدة ومنفذة بتقنيات متعددة معاصرة تعكس رؤية الفنان وانطباعاته عن بغداد اليوم. وكان قد قرر بعد عدة زيارات أن يحمل كاميرته ويوثق بدقة مشاهد منتقاة من خرابها الناجم عن القصف الجوي وما تلاه من تفجيرات وتدمير وإهمال متعمد، لتصبح نواة معرضه الحالي.
تكشف الأعمال في خطابها المتفجر عن وحدة موضوع ذات نسق يمضي بالمشاهد من بداياته حتى النهاية. وعلى الرغم من مأساوية الموضوع وطغيان السواد على فضاء أبيض، ثمة جمال أخاذ ينبعث من قلب تكوينات اتسمت بدقة تصميمها وشعريتها العالية، وتتبلور في مشاهد تنفذ إلى الوجدان بقدر ما تبهر النظر. وهو ما يمكن أن نقرأه بداية في مجموعة الصور الفوتوغرافية المركبة والمطبوعة رقميا ( Digital )حتى تكاد تشكل مقدمة ومدخلا بصريا للمعرض.
إنها وثيقة فنية تؤرخ لدمار أحال كيان مدينة عصرية عريقة، بل قل مدنا إلى فوضى عارمة لا وجه لها. تتشكل الصور الفوتوغرافية من خطوط دائرية متداخلة بالأبيض والأسود تعكس جانبا من واقع المدينة ممثلة بتشابك أسلاك الكهرباء التي انبثقت من رحم المباني والطرق الداخلية والشوارع في أرقى مناطق المدينة بعشوائية تعكس طبيعة الحياة وواقعها المعيش. إلى جانبها عرض الفنان مجموعة ثانية من صور فوتوغرافية رقمية تخللتها بعض الألوان الباهتة كما لوكانت نوافذ لضياء محتمل.
في مجموعة أخرى يعالج دلير موضوعه بالرسم على ورق صيني ملصق على الخشب في لوحات ذات أحجام كبيرة استخدم فيها مواد مختلفة من الأكريلك والفايبر والزجاج والحديد. وعلى نهج الصور الفوتوغرافية، تنتشر على سطح هذه اللوحات خطوط دقيقة من الأبيض والأسود تمتد وتتشابك لتتمادى في تجاوزها مثل شجرة عريقة تخترق أغصانها المصنوعة من الحديد steel فضاء اللوحة وتفترش الجدار الذي علّقت عليه وامتزجت بفضائه المشبع بالضوء مضيفة بعدا جماليا استثنائيا.
هكذا تتسامى وتيرة أعمال دلير في معالجة موضوعه المأساوي لتبلغ ذروة التعبير التجريدي الأخاذ. لم يكتف الفنان بتصوير هذا الجانب من المأساة وما لحق بالمدن من تشويه، بل يتعداه إلى الإنسان. فمن بين هذه المجموعة عمل نحتي واحد من الحديد laser cut steel بهيئة رجل انشق صدره إلى نصفين وانبثقت من داخله حزمة أسلاك غليظة ورفيعة فتخترق الرأس متصاعدة في إشارة إلى ما طال إنسان هذه الأرض العريقة من عذابات التشويه والدمار.
استطاع دلير بكل جدارة أن يختزل الدمار الهائل باستعارة عميقة المغزى، ومفردة قوامها أسلاك الكهرباء التي تقطعت وتشابكت فيكل مكان متوجة واجهات الدور وأفق الطرق والحارات والشوارع فأوجد منها حدائ َق للخراب وعنوانا لواقع حال ملتبس ومليء بالغموض.
مي مظفر
عمان- تشرين الأول / أكتوبر 2020
Published Date: 
2020